المقداد السيوري
579
اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية
ويعذّب من يشاء ، أي ويعذّب الكافرين ومن يشاء من مذنبي المؤمنين إن مات قبل التوبة عدلا ، ويدلّ عليه مفسّرا قوله سبحانه : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ووجه إبهامه تعالى أمر التعذيب والمغفرة فلم يبيّن من يغفر له ومن يعذّبه ، بأنّه ليقف المكلّف بين الخوف والرجاء فلا يأمن من عذاب اللّه تعالى ؛ لأنّ الأمن من عذابه خسر ، واليأس من رحمته كفر فلا يأمن مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون ، ولا ييأس من روح اللّه إلّا القوم الكافرون ، ويلفت إلى هذا قول الإمام الصادق عليه السّلام : « لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا » وفي تفسيرها عن ابن عباس قال : معنى الآية : فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ممّن لم يتب . وإلى هنا ونعود إلى الآية الشريفة : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً آية العفو والرحمة ، يقول الكلبي : نزلت هذه الآية في المشركين وحشي وأصحابه ؛ وذلك لأنّه لمّا قتل حمزة ( رض ) وكان قد جعل له على قتله أن « يعتق » فلم يوفّ له بذلك ، فلمّا قدم مكة ندم على صنيعه هو وأصحابه فكتبوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : إنّا قد ندمنا علي الذي صنعناه وليس يمنعنا عن الإسلام إلّا أنّا سمعناك تقول وأنت بمكة : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وقد دعونا مع اللّه إلها آخر ، وقتلنا النفس التي حرّم اللّه وزنينا ، فلو لا هذا لاتّبعناك ، فنزلت الآية إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فبعث بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى وحشيّ وأصحابه ، فلما قرءوها كتبوا إليه : إنّ هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا صالحا فلا نكون من أهل هذه الآية فنزلت : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فبعث بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إليهم فقرءوها فبعثوا إليه : إنّا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئة اللّه ، فنزلت الآية ، يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً فبعث بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إليهم ، فلمّا قرءوها دخلوا في الإسلام ورجعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقبل منهم . ويقول أبو مخنف عن ابن عمر قال : نزلت في المؤمنين ، وذلك أنّه لما نزلت